عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

285

اللباب في علوم الكتاب

وقوله : « وَمَنْ حَوْلَها » عطف على « أهل » المحذوف ، أي : ولتنذر من حول أمّ القرى ، ولا يجوز أن يعطف على « أُمَّ الْقُرى » ، إذ يلزم أن يكون معنى « وَلِتُنْذِرَ » أهل من حولها ولا حاجة تدعو إلى ذلك ؛ لأن « مَنْ حَوْلَها » يقبلون الإنذار . قال أبو حيان « 1 » : ولم يحذف « من » ، فيعطف حول على « أُمَّ الْقُرى » ، وإنّه لا يصح من حيث المعنى ؛ لأن « حول » ظرف لا ينصرف ، فلو عطف على « أُمَّ الْقُرى » لصار مفعولا به لعطفه على المفعول به ، وذلك لا يجوز ؛ لأن العرب لا تستعمله إلّا ظرفا . فصل في تسمية « مكة » اتفقوا على أن أم القرى « مكّة » سميت بذلك ؛ قال ابن عباس : لأن الأرضين دحيت « 2 » من تحتها ، فهي أصل الأرض كلها كالأم أصل [ النسل . قال الأصم : سميت بذلك ؛ لأنها قبلة أهل الدنيا ، فصارت هي كالأصل ] « 3 » وسائر البلاد والقرى تابعة . وأيضا من أصول عبادات أهل الدنيا الحجّ وهو إنما يكون في هذه البلدة ، فلهذا السبب يجتمع الخلق إليها ، كما يجتمع الأولاد إلى الأم . وأيضا فلما كان أهل الدنيا يجتمعون هناك بسبب الحجّ لا جرم يحصل هناك أنواع من التجارات والمنافع ما لا يحصل في سائر البلاد ، ولا شكّ أن الكسب والتجارة من أصول المنافع ، فلهذا السبب سميت « مكة » بأم القرى . وقيل « 4 » : « مكة » المشرفة أوّل بلدة سكنت في الأرض . قوله : « مَنْ حَوْلَها » يدخل فيه سائر البلدان والقرى . قال المفسرون « 5 » : المراد أهل الأرض شرقا وغربا . قوله : « وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ » يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه مرفوع بالابتداء ، وخبره « يؤمنون » ولم يتّحد المبتدأ والخبر لتغاير متعلقيهما ، فلذلك جاز أن يقع الخبر بلفظ المبتدأ ، وإلا فيمتنع أن تقول : « الذي يقوم يقوم » ، و « الذين يؤمنون يؤمنون » ، وعلى هذا فذكر الفضلة هنا واجب ، ولم يتعرّض النحويون لذلك ، ولكن تعرضوا لنظائره . والثاني : أنه منصوب عطفا على « أُمَّ الْقُرى » أي : لينذر الذين أمنوا ، فيكون

--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 183 . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 5 / 267 ) عن قتادة وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 55 ) ونسبه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) ينظر : الرازي 13 / 67 . ( 5 ) ينظر : الرازي 13 / 67 .